الشيخ عبد الغني النابلسي
156
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
العرش عليها ، أي على أسمائه الإلهية بنا معشر الكائنات جميعها لتكون نحن مظاهر آثارها ومطارح شعاعاتها وأنوارها ومواضع حكمها وأسرارها فنحن معشر الكائنات نتيجة رحمة الامتنان التي هي أول ما تعلقت بالأسماء الإلهية ، أي بالحق تعالى في مرتبة ألوهيته ، فأظهرتنا آثارا لها لا من حيث هو سبحانه فإنه غني عن العالمين ، أي ما يعلم به من حيث نحن ولا يعلم سبحانه في نفس الأمر إلا بأسمائه ، ولا تعلم أسماؤه إلا بآثارها ، فالآثار هي العالمون عند الصفاتيين ، والأسماء هي العالمون عند الذاتيين والنسب جمع نسبة تفسير الأسماء الربانية ، أي المنسوبة إلى الرب تعالى . ثم أوجبها ، أي الرحمة التي امتن بها سبحانه على نفسه فكتبها كما قال : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [ الأنعام : 12 ] وذلك بظهورنا معشر الكائنات لنا فعلمنا أنفسنا وأعلمنا هو سبحانه أنه تعالى هويتنا فمن عرف منا نفسه عرف ربه ، ومن جهل نفسه جهل ربه ، وما منا من جهل نفسه من كل وجه بل من وجه دون وجه ، فيعرف ربه من ذلك الوجه الذي عرف به نفسه ، ويجهل ربه من الوجه الذي جهل به نفسه ، وهكذا كل شيء . لنعلم أنه تعالى ما أوجبها ، أي الرحمة ، يعني كتبها على نفسه إلا لنفسه ، أي ليعلم نفسه بنفسه في مرتبة ألوهيته وربوبيته كما هو عالم بنفسه في ذاته وهويته فما خرجت الرحمة ، أي رحمته سبحانه التي امتن بها أوّلا وأوجبها ثانيا عنه سبحانه فإنه ليس هناك أمران موجودان ، وإنما الأمر واحد يتضمن راحما ورحمة في الأزل ومرحوما فيما لا يزال ، والمرحوم في الراحم نفس الراحم ، وأما المرحوم في نفسه فهو غير الراحم ، فإذا رحمه بالرحمة أوجده بها له ، كالمراتب إذا قامت بمن هي له تعددت وغايرته ولم يتغير هو بها وإن تغيرت هي به فعلى من امتن سبحانه وما ثم ، أي هناك في الوجود إلا هو . وأما المراتب الإمكانية فهي مراتبه به ثبتت في علمه أزلا من غير وجود لها ، وبه وجدت في أنفسها لا فيه سبحانه فيما لا يزال إلى الأبد ، فإن كان امتنانه عليها بالوجود في حال ثبوتها كان امتنانه على نفسه ، لأنه بوجوده أوجدها فقد امتن عليها بإيجادها بل على وجوده بإظهارها لا لها ، فمرجع المنة إليه ، وإن كان إيجاده للرحمة عليها في حال وجودها به كان ذلك عليه لا عليها ، لأن الموجود دونها ، ولكنه موجود وجودا ملتبسا بها كقولهم دخلت عليه بثياب السفر ، وذلك قوله تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ [ الأنعام : 9 ] ، فأخبر تعالى أن لبس ما يلبسون إنما هو عليهم لا في نفس الأمر ، وأنهم هم الذين يلبسون والأمر مكشوف في نفسه ،